أعواد السكاكر كانت وسيلتي للنجاح

د.سلوى المحاميد – 1978- طبيبة نسائية .

كنت لا أزال طالبة في السنة الثانية في كلية الطب ,عندما انقطعت عني نفقات الدراسة التي كان والدي يرسلها لي كل أول شهر فقد استنزفت دراستي أغلب موارد أسرتي البسيطة واستهلكت جلً طاقاتهم .
حينها شعرت أنها بداية النهاية بل هي حقاً نهايتي الكارثية : جلست في غرفة المعيشة في سكن الطالبات أقلب الأفكار دون جدوى , فلم أكن حينها أفكر بحلول أو نتائج كنت فقط مذهولة من هول الصدمة أستعرض الأحداث

من هنا كانت البداية:
كانت في الغرفة أمامي أعواد سكاكر بلاستيكية مرمية على الطاولة خلفنها زميلاتي في السكن ولعل واحدة منها أو أكثر أنا من أكلتها, كنت أحدق بها عن غير قصد وأسرح في أفكاري اللا متناهية , تناولت عوداً منها وجلست أقضم طرفه بأسناني – وأنا في حالة توتر- ثم أمسكت الآخر والأخر ورحت أقلبها بين أصابعي , شدني شكل الأعواد البلاستيكية البيضاء تلك , فجمعتها ثم بدأت أجملها بـ (قصاصات ورقية ملونة , أعلام صغيرة , مواد لاصقة) كانت موجودة أمامي على الطاولة , عملت منها شكلاً جميلاً , كانت أشبه بسارية العلم , ثم جمعت اثنتين منها على ضاغطة زجاج وربطتها بسلك معدني لم أكن أعلم حينها أن مابين يدي يمكن أن يصبح شيء ذو قيمة أو أن أجني منه المال , كان هذا أول ما صنعت ولم أكن أخطط لبيعها أبداً , غير أن زميلاتي في السكن شجعنني بكلماتهن عندما وصفنها أنها (رائعة) .

التحدي الأكبر :
في اليوم التالي كنت قد أنجزت منها أكثر من اثنتي عشرة قطعة , لكنني لم أكن أعرف ماذا أفعل بها , راودتني شكوك حول إمكانية بيعها , فهي ليست شيء يمكن استخدامه أو الانتفاع به , إلا أن لها قيمة رمزية محببة ألا وهي علم الوطن , ثم إني كنت أجهل كيف وأين وبكم أبيعها ؟؟
هذا كله بكفة وعن مسألة عرضها على أحد بهدف بيعها بكفة أخرى ..
انحصر تفكيري بـ (كيف سينظرون إلي؟).
كانت تلك أصعب مرحلة وأكبر اختبار لي في حياتي , كنت أطرد الأجوبة من رأسي كأنها أفكار شيطانية , لكن سرعان ما اهتديت إلى فكرة المحاولة وعرضها على أقرب محل لبيع زينة السيارات .
بالنسبة لي اعتبرت أن أقوى لحظات حياتي كانت تلك (عندما اجتزت باب ذلك المحل وقلت مرحباً عندي هذه الأشياء المميزة للبيع ) , لم تكن التجربة الأولى بالنسبة لي صعبة بقدر ما كانت مضحكة فقد سألني صاحب المحل عن ثمنها ؟!! فأجبته قائلة : لا أعرف , قل كم تريد أنت ؟
فضحك وضحكت ثم قلت حسناً يكفي 500 ليرة ثمناً لها كلها وبها كانت البداية..

الصعوبات :
لم يكن سهلاً أن أبيع كل يوم نفس العدد من هذه الأشياء فكما أسلفت ,هي أشياء كمالية وغير ضرورية وكان بيعها في المحلات بطيئاً جداً , ومع هذا فقد بعت أعداداً منها لا بأس بها خصوصاً عندما اتصل بي صاحب إحدى المكتبات يطلب انجاز عدد كبير لجهة رسمية لتقديمها كتذكار مع طلب إجراء بعض التعديلات وبسعر ممتاز , وفعلاً وبمساعدة زميلاتي ومقابل حبات السكاكر فقط استطعت تنفيذ الكمية المطلوبة وتسليمها في الوقت المحدد , ثم بدأت أبحث عن الأفكار وأنفذها حتى أصبح في برنامجي الإنتاجي كل اسبوع شيء جديد وكانت الإعادة تتم حسب الطلب , كانت المنتجات تدور في فلك الهدايا التذكارية والمعلقات ونحو ذلك , وكانت دوماً من مواد أولية بسيطة  وأحياناً كثيرة من مخلفات أشياء أخرى أو أشياء تم الاستغناء عنها كعلب البلاستيك وما شابه أعيد تدويرها , كانت زميلاتي يشاركنني في العمل كمساعدة منهن وأقابلهن بالشكر حتى تطورت الأعمال وصرت ادفع لبعضهن أجراً مقابل ذلك , كنت مشغولةً دوماً بالتحضير للمنتج التالي حتى أني أستيقظ أحياناً كثيرة من نومي لأرسم فكرة حلمت بها .

قصة النجاح :
هكذا استمرت صناعتي الجميلة والممتعة والبسيطة في آنٍ واحد عبر إعادة تدوير مخلفات بسيطة ونمت وامتدت طوال سنين دراستي إلى مرحلة التخرج , منها كنت أنفق على نفسي وأدفع تكاليف معيشتي و دراستي كما أني كنت أرسل منها بعض المال أعين به أسرتي .

ثم استمرت معي كنشاط فني أشارك به مجموعة من الأصدقاء مع أفراد عائلتي وننتج العديد من المنتجات اليدوية ومن ثم نعرضها في معارض صغيرة يرصد ريعها لجمعيات خيرية.

لقد كانت تلك نقطة تحول وإشراقه مضيئة في حياتي يرجع الفضل فيها إلى الله سبحانه ولا أنسى الشكر لملهمتي “أعواد السكاكر” والتي لا زلت أزين بها عيادتي .

سلوى

قصة نجاح سحر هاشمي و فنجان القهوة الذي حولها الى رئيسة جمهورية

قصة نجاح سحر هاشمي

سحر هاشمي سيدة أعمال بريطانية إيرانية الأصل، مواليد عام 1968 وهي رحلت عن إيران مع أهلها في سنة 1980، عقب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، إلى إنجلترا.

تعلمت في المدارس الإنجليزية واختارت المحاماة مهنة، ومضت حياتها رتيبًة حتى توفى والدها فجأة في عام 1994 فقررت الاستقالة من عملها والسفر إلى الأرجنتين لتقضي 5 شهور في تعلم الأسبانية، ثم عادت إلى إنجلترا لتبحث عن عمل لفترة طويلة، دون أي توفيق، حتى قررت في شهر نوفمبر من العام ذاته أخذ إجازة طويلة لزيارة أخيها (بوبي) في نيويورك، حيث كان يعمل استشاري استثمارات في أحد البنوك، وبينما هي جالسة في مقهى أمريكي تنتظر وصول قهوتها مع بعض الكعكات خالية الدسم، جال بخاطرها كم هي مشتاقة إلى القهوة الأمريكية، وتساءلت لماذا لا تجد مثل هذه القهوة في إنجلترا حيث اعتادت أن تعيش وتعمل؟

عصفت الفكرة الجديدة برأس سحر، وأشركت أخاها بوبي في الأمر، وهو كخبير يعرف الأفكار العبقرية عن بُعد، قرر مشاركتها وتمويل مرحلة الأبحاث الأولية حتى حلول وقت التنفيذ الفعلي.

عادت بعدها سحر إلى لندن لتقضي الساعات تلو الساعات وهي تنتقل من مكتبة لأخرى، تطالع كتب تشرح كيفية بدء المشاريع الجديدة، وجاءت عليها فترة مرت فيها على كل مقاهي لندن، في كل شارع وحدب وصوب، تدرسهم وتقارن بينهم حتى وصلت لنتيجة مفادها أن أهل العاصمة لندن لا يحصلون على قهوة عالية الجودة، وهذا ما برر شعورها الدائم بعدم قدرتها على العثور على فنجان قهوة طيب المذاق قوي التأثير خلال عملها في العاصمة الإنجليزية.

دراستها بينت كذلك أن الإنجليز باتوا يشربون كمية أقل من الشاي، في مقابل المزيد من القهوة، وعللت ذلك بسبب زيادة حجم الأسفار والأعمال مع الشركاء الأوروبيين وغيرهم ممن يعتمدون بشكل أكبر على القهوة.

فكرة سحر الجديدة قابلها الرفض من 19 مؤسسة تمويلية رفضت الإيمان بجدوى مثل هذه الفكرة (الطائشة وقتها). تروي لنا سحر عن صعوبة مرحلة البدء هذه قائلة: “حين بدأنا لم يكن هناك هذا الكم من المعلومات والمساعدات المتوفرة اليوم، لقد بذلنا جهدًا شاقًا كي نقنع أنفسنا وأصدقائنا وممولينا والموردين والمستهلكين والجميع بجدوى الفكرة، لقد كان الأمر بمثابة تسلق مرتفع حاد، بل لقد كان تحديًا كبيرًا”.

في النهاية وافقت وزارة التجارة والصناعة على إقراض المشروع الجديد مبلغ 75 ألف جنيه إسترليني، وفي نوفمبر 1995 (بعد مرور عام على ورود الفكرة لسحر) كان افتتاح أول مقهى جمهورية القهوة Coffee Republic في شارع ساوث مولتون.

اعتمدت مقاهي جمهورية القهوة على تقديم أكثر من نكهة قهوة تلائم الرغبات المختلفة للشاربين، من قهوة ذات زبد كثيف لأخرى بدون، ومن تلك بطعم الموكا لتلك بنكهة العسل والقرفة.

رغم التنوع الكبير في المعروض من نكهات القهوة، لكن البداية كانت صعبة للغاية، فلقد نظر رواد المقاهي بعين الاستغراب لهذا المقهى الجديد، كما أن العثور على العمالة الكفؤة كان صعبًا، وأصعب منه الحفاظ عليها.

لم يكن الانسحاب أو الاستسلام من الأشياء الواردة على ذهن الأخوين، لذا قررا أن يستعينا بشركة علاقات عامة كي تتولى الدعاية لهما، وكان من نتيجة ذلك نشر بعض التقارير الصحفية الإيجابية.جاء ربيع 1996 بالمزيد من الأعمال والأشغال للأخوين، وفي ديسمبر 1996 كان افتتاح المقهى الثاني في وسط لندن، ما دفعهما في أكتوبر 1997 لتحويل مشروعهما إلى شركة مساهمة وطرحا الأسهم في البورصة، ما عاد عليهما بمبلغ 8.5 مليون جنيه إسترليني، تم توجيهها لمزيد من التوسع والانتشار.

كانت الأمور تمضي على ما يرام، وتذكر سحر سعادتها البالغة حين رأت أول عميل يرحل ومعه قدح قهوة يحمل اسم المقهى في يديه. في يوليو 2000 تم طرح المزيد من الأسهم، ليجمعا 20 مليون جنيه إسترليني، تم توجيهها في افتتاح 40 مقهى جديد في عام واحد، ليصبح إجمالي عدد المقاهي 82 مقهى خلال خمس سنوات من تاريخ البدء ، تناثرت في أكبر المدن الإنجليزية، وعمل فيها أكثر من 800 موظف.

شيئاً فشيئاً بدأ الأخوان يعتمدان على المدراء في إدارة الجمهورية، وبدأت سحر تركز على زيارة مقهى كل يوم في الصباح، حيث تقضي ساعة كاملة، كمرتاد تقليدي، تراقب فيها الجودة؛ جودة المعاملة وجودة المنتج.

تؤكد سحر أكثر من مرة قائلة: “هدفنا هو التأكد من أننا لم نتحول لشركة عملاقة مترامية الأطراف، فننسى كيف ولماذا أقمنا هذه الشركة”.

تؤكد سحر أن عملها السابق كمحامية ساعدها كثيرًا، حيث كانت تسدي النصح لكثير من العملاء، لكنها كانت تطمح لأن ترى ثمرة هذا النصح والمجهود بنفسها.

في عام 2001 تنحت سحر عن دورها في الجمهورية (التي كانت تدر 30 مليون إسترليني سنوياً) لتتحول كاتبة، فأخرجت لنا في يناير 2003 كتابًا يحمل اسم: “الكل يستطيع أن يفعلها، كيف أسسنا جمهورية القهوة من على طاولة المطبخ” ليحل الأول في قوائم أكثر الكتب مبيعًا في إنجلترا، لعدة أسابيع، ونال الكتاب العديد من الجوائز والترشيحات، وتم تدريس بعض أجزائه في مدارس الأعمال الإنجليزية.

تم اختيار سحر ضمن أكثر 100 سيدة ذات تأثير في المجتمع الإنجليزي، ونالت العديد من الألقاب واحتلت صورها العديد من أغلفة المجلات العالمية، ذات الطابع الأعمالي وغيرها، وتحدثت في الكثير من البرامج الإذاعية والتليفزيونية، وانتهت بالحديث في دبي في مارس الماضي!

هل توقفت سيدة الأعمال الإيرانية عن الإبداع؟ رغم أنها أعلنت عدم نيتها للعودة لبدء مشاريع جديدة، لكن الطبع غلاب وها هي تبدأ مشروعًا جديدًا: كعكات خالية من الدهن ومن السكر ومن كل ما له علاقة بزيادة الوزن.

بكونها سيدة تحافظ بكل قوة على رشاقتها، فهي وجدت نقصًا في السوق الإنجليزية تجاه الحلويات خالية السكر والدهن والسعرات، لذا بدأت عملية البحث من جديد، واتفقت مع الموردين، ثم بدأت منتجات سكني كاندي (أو الحلوى النحيفة) في الظهور في مقاهي جمهورية القهوة.

التحدي الجديد الذي تواجهه سحر هو قناعة الناس أن أي منتج يحمل اسم Diet (صحي/قليل السعرات) سيكون طعمه رديئًا وهذا ما تنوي سحر أن تغيره.